دعوة المدهون لتطويع السرد

مقال نقدي يستكشف بنية رواية ربعي المدهون ورموزها السردية في قالب موسيقي روائي.

استخدم الكاتب المعروف ربعي المدهون الكثير من التقنيات والطرق في السرد، المعروف منها وغير المعروف، حتى أصبح لدينا نص موسيقي من الدرجة الأولى، حائز على أعلى جائزة عربية في أدب الرواية. يتمتع النص بدقة شديدة يصعب ملاحظتها إلا بعد الإكثار من قراءته، وهذا المقال ليس إلا محاولة لتوضيح بعض المشاهد وبعض التقنيات التي يجب أن يعلمها القارئ، وتكريماً لمجهود العبقري والرائع ربعي المدهون.
تكوَّن النص في قالب رباعي الحركات، كما موسيقى الكونشيرتو التي تتكون في هذا العصر من ثلاث حركات لا أربع كما في النص. انتقد الكثيرون هذا الأمر وعدّوه خطأً على الكاتب، لكن موسيقى الكونشيرتو برزت في عصر الباروك (1600–1750)، حيث كانت تصل إلى خمس أو ست حركات. وبالتالي لا يُعد ذلك عيباً على الكاتب؛ فالسرد وسرعة النص وطول كل حركة من الحركات يُعد قريباً للغاية من تعريف كلمة «كونشيرتو». وبينما الهدف الحقيقي هدف أدبي، لا يُحسب عيباً على الإطلاق أن يكون العمل من تسعٍ وتسعين حركة؛ الأهم هو الرسالة اللغوية للنص واللغة التي تحميه أكثر من حقيقة لا يُلام عليها غير الموسيقيين.
دقّق ربعي المدهون في سرعة الحركة الأولى، التي لا يهم فيها سوى شخصيتين: جولي ووليد دهمان، وقصة إيفانا ذات الإيقاع السريع نسبياً مقارنة بالسابقين، وقصة ليا وكواكو التي لها إيقاع أسرع من السابقين. في بداية الحركة الأولى إلى آخرها يظهر ربعي المدهون بدايات كل الرموز، لا الشخصيات فقط أو بداية القصة. هناك شخصيات لم نسمع عنها إلا في هذا الفصل، بينما بقيت رموزها في باقي النص. من يمثل المواطن الباقي في بلده أصبح يمثله شخص آخر في حركة أخرى، ومن يمثل اليهودي اليساري غير المتشدد يمثله شخص آخر في حركة أخرى، وكذلك البطل وليد دهمان يمثل شخصية أخرى ثابتة في القصة في أحد مواقفه في الرواية، بجانب دوره المنفرد في القصة كلها.
في ظل الحركة الأولى عرّف ربعي المدهون أنواعاً من الرموز التي تدور حولها الرواية كلها، بينما في باقي الحركات يظهر لكل رمز نقيضه في موقف عابر أو في حدث كبير في الرواية، ليكون لدى القارئ صورة كاملة. وحتى إن لم يلاحظ أحد ذلك، فطوال الرواية تصل إلى القارئ الصورة، أينما كان بُعده عن التفاصيل الدقيقة؛ سيرى الوفير منها. في اعتقادي أن القالب الذي شُكّل به النص من أربع حركات هو قالب دائري، به قطران جعلا للدائرة أجزاء مختلفة ومنحاها تكاملاً ما عندما تدور بكل نقاطها وأقطارها، حتى وإن عبرت كل تلك النقاط… نائماً.
في الحركة الثانية قفز ربعي المدهون إلى الجهة الأخرى وعبر قطراً آخر، وأبطأ كثيراً في مسيرته نحو مركز الدائرة لينعطف منه إلى القطر الآخر. القصة هنا تغيرت، وظهر فيها بطلا الحركة الأولى شخصيات ثانوية، إذ حكى قصة بطلين آخرين لرمزين كانا قد بدآ في الحركة الأولى. كان النص بطيئاً، وتُعد الحركة الثانية إحدى أطول الحركات، لكنها كانت منشئاً لشخصيات أخرى في الرواية. ولم تُنشأ عبثاً، بل لتأخذ موضع شخصيات أخرى في القصة، مما صنع من وجودهم سبباً واضحاً: وهو لعب أدوار لتوضيح كلٍّ من الهولوكوست والنكبة وشعبيهما.
في تفاصيل الحركة الثانية وضع ربعي المدهون الرموز أمام بعضها البعض، ليجعلها رموزاً مكتملة متساوية، ليظهر أن لكل رمز مأساته الخاصة ونكبته الخاصة ومحرَقته الخاصة. ولكن هناك من له مكاسبه دائماً دون وجه حق، وهناك من له كامل الحقوق ولكنه مغلوب على أمره. ورغم أن الشخصيات التي تخدم رموز الرواية تتعدد وتتبدل وتتغير، فإن الاختلافات الدقيقة بين شخصية وأخرى ضمن الرمز ذاته قدمت لنا صورة توضيحية للحياة الفلسطينية. وأعظم ما قدمته لنا الحركة الثانية هو الغموض الذي لن يُلاحظ إلا في منتصف الحركة الرابعة، إذ إن بطء النص جعل الغموض غير واضح المعالم في القراءة الأولى، ولكن في القراءة الثانية ستلاحظ أن أول الرواية وآخرها متصلان ببعضهما في خدمة الصورة وإعطائها اكتمالها الخاص.
في تفاصيل الحركة الثالثة يضيف ربعي المدهون سرعة غير مسبوقة، ورموزاً عابرة للغاية، كعبورها في الواقع الذي تعيشه الأزمة الفلسطينية، ومشاهد يجب أن تُذكر لكنها لن تخدم النص كثيراً. فمشاهد المطار والطائرة وغيرها من المشاهد تعبّر عن ذات الرمز الذي جاء في الحركة السابقة، من تصرفات الجيران إلى أواخر الحركة الأولى في دعوة جولي في المطار. تظهر دائماً مشاهد قصيرة أو عبارات تخدم النص والرموز، لكن في هذه الحركة هناك العديد من المشاهد والمناطق هدفها الرئيسي حماية ملامح النص وعروقه وأصوله، ليكون نصاً فلسطينياً معبراً عن فلسطين. يحكي عنها أكثر مما يحاول أن يوضح أيّ كفّة لديها حق أكثر لترفع الأخرى أو تهبط بها. في هذا الجزء من القالب الروائي يعرض لنا المدهون فلسطين فقط؛ لا يعرض إلا فلسطين والمجرم، ولا يعترف بإسرائيل كدولة، بل يعترف بها كناهبة للبلاد وحقوق أبنائها، حتى وإن تبدلت جنسياتهم، كأنها جريمة مستمرة تمتد دماؤها إلى عروق أخرى ملوّنة بأعلام أخرى تنطق وتكتب أسماءها بلغات أخرى.
أخطر المشاهد، وهو مختصر القصة كلها في الوقت ذاته، مشهد شك البطل وليد دهمان في شخصية الرجل الجالس على المقعد في منطقة الانتظار في مطار بن غوريون. حيث عرض البطل بوسائل قليلة للغاية التاريخ من النكبة حتى الوقت الحاضر، بمقال في جريدة وانتظار ابن البلاد للسماح له بدخول البلاد، وقصة الخزي والعار التي ترعى استمرارها المخابرات المصرية، والذي أصبح منشأ استمرار رمز جديد في الرواية، وهو رمز المثقفين، الذي له دوره الشخصي في الرواية في الحركة الرابعة والأخيرة. إذ إن رمز المثقفين في الرواية يكون هو المدهون نفسه، ويظهر بين الأحاديث بين الشخصيات في أمثلة عابرة لمواقف لا أعلم إن كانت حدثت أم لا.
في الحركة الرابعة قدم ربعي المدهون مشهدين لإنهاء الجدال الطويل حول أي كيان هو صاحب الحق الحقيقي، في حالتين: حيفا والقدس. لكل منهما طريقة لإنهاء الرموز جمعاً، ولكل سيناريو طريقته في إنهاء الجدال. لكن ما يتوجب على الجميع حكايته هو كيف كان التقسيم له دور في تقسيم النهايات وتقسيم الإجابات عن الأسئلة التي يتوجب على القارئ أن يطرحها، في اعتقادي، وهو يقرأ هذا النص.
في القدس يعرض الروائي روح القدس في قلوب أبناء البلاد، وبين ذلك يعرض مشاهد كثيرة هي المشاهد التي كانت ترعى عرضها دار حوار الصديقين سليمان ووليد دهمان والتدخلات الطفيفة بينهما في الحوار. دائماً ما يحكي الروائي في هذا الخط القصص الظاهرة في الرائج العام المألوف. وفي جولة وليد دهمان يعرض حال المواطنين في مشاهد كثيرة، أهمها زياراته إلى معالم المدينة القديمة والحديثة، واستكمال القصة بوضع نهاية مفتوحة. في هذا الجزء تحديداً يقوم المدهون بوضع إجابات للأسئلة التي تحدد من خلال الإجابة عنها حداً للجدال: «لمن الحق؟» وتحدد أي الفريقين يستحق الأرض وما عليها ويستحق تعاطفنا حقاً.
في حيفا يعرض لنا نهايات باقي الرموز، ومصير الكثيرين، والمصير الأصعب لإيفانا، ولقاء جنين الذي يظهر لنا رمز اليهود ثانيةً بدلاً من كواكو وليا في شخص «مارك» بمدينة يافا، بعد عرض شخصيات مثل إيفيفا وبت تيسون وغيرها من الشخصيات في الرواية. في هذه الحركة توضع نهايات اجتماعية لعرض الصور التي لا يعرفها الكثيرون، وعرض الحكايات التي يحكم عليها القارئ، ولا يهم إن كان يميل إلى فريق أم لا؛ لأنك إن كنت تميل إلى اليهود أو تميل إلى الفلسطينيين، ففي كلا الحالتين لن يؤثر ذلك في السؤال الأهم: «لمن الحق في البلاد؟».
المشهد الأكثر روعة وخطورة في النص هو نهاية الرمز المضاف حديثاً. ففي لحظات تجلّي وليد دهمان في القدس حينما قال إن القدس لا تزال لهم برموزها، ردّ المدهون بشخصية لا أعلم إن كانت حقيقية أم لا حتى هذه اللحظة، وهي «الشاعر منير طبراني»، الذي ردّ على المدهون حينما قال مثل رأي وليد بقوله: «بلا حمص بلا كنافة بلا بطيخ أصفر، اليهود أخذوا البلاد كلها وأنت تحكي لي عن الحمص والزعتر! حلّ عن سمائنا يا زلمة». هكذا يحدث دائماً للمثقفين عندما يتكلمون في لحظات اليأس والكآبة والظلمات، بالأخص عندما يكون الخطاب بين الأقل ثقافة والمدّعين إلى متوسطي المعرفة إلى المثقفين ذوي الميول. دائماً ما يُردّ على الكلام ذي البعد الخاص بكلام بلا فائدة من إخفائه أو إعلانه على الناس، وهكذا هي مشاهد الفوضى دائماً.
الأشياء العابرة في الرواية هي وسائل المواصلات، وطريقة الحوار، وخصوصاً الفارق بين لودا وجولي. جولي التي تتحدث العربية منذ وقت قريب لديها عربية أقل إتقاناً من عربية لودا التي تتحدث العربية منذ مدة أطول. مشهد موت أفيفا ثم عودتها للحياة وتفكير زوجها في المعاش الذي تقدمه ألمانيا، هذه المشاهد العابرة أعطيت للشخصيات مميزات خاصة، وأضافت للقصة قوة وحبكة رهيبة ومنطقية لكل الأحداث.
قرأت كثيراً عن الحياة في فلسطين والعائدين إليها وكيف هي الحياة عند العودة، وما طعم الحياة بدايةً من المنافي والمخيمات وصولاً إلى البلاد. هذا العمل من أكثر الأعمال واقعية ودقة، حتى إنه يكاد يبتعد تماماً عن المشاهد الحسية الرومانسية التي تصنع جملاً ومقاطع تتحدث عن الإنسان بطريقة وجودية. لكن دائماً هناك جمل ومقاطع تتحدث عن فلسطين بطريقة رمزية لن يوجد أجمل منها لفترة طويلة من الزمن، وهذا أحد الأسباب التي جعلتني أبتعد تماماً عن اقتطاع نصوص وعرضها منفردة من النص كما في المقالات السابقة، حفاظاً على البناء العظيم الذي أُعدّ في أربع سنوات كما يوضح لنا ربعي المدهون في بداية النص.
الشخصيات يُحكى عنها من خلال بعضها البعض؛ يتناقل السرد من الراوي إلى شخص ما، ثم إلى شخص آخر، ثم يعود إلى الراوي، بشكل منظم ورائع. تختلف طرق السرد والكلمات أحياناً، لكن ذلك لا يعكر صفو النص ولذة ومتعة القراءة. هناك مقاطع لن تتجاوز الصفحتين لكنها ستنادي الدموع بداخلك. وأنت تقرأ هذا العمل تجد نفسك أمام رسالة مقارنة بين أزمتين تاريخيتين بشكل أكاديمي للغاية، ورواية إنسانية تشرح حال مجتمعين: الأول مجتمع يهودي يظهر في شخصيات قليلة لكنه يوضح حجم جريمتهم، والثاني مجتمع فلسطيني تُعرض قصصه طوال الحركات الأربع ليقدم حال المجتمع وما يعانيه من انقسامات، بعضها صنعه الفلسطينيون وبعضها صنعته الحياة.
العودة إلى المقالات